محمد دياب الإتليدي

81

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )

راعي الذمم وروي عن الحسن بن الحصين . قال : لما أفضت الخلافة إلى بني العباس كان من جملة من اختفى إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك فلم يزل مختفياً إلى أن أضناه وأضجره الاختفاء ، فأخذ له أمان من السفاح ، فقال له : لقد مكثت زماناً طويلاً مختفياً فحدثني بأعجب ما رأيت في اختفائك ، فإنها كانت أيام تكدير . فقال : يا أمير المؤمنين ، وهل سمع بأعجب من حديثي ؟ لقد كنت مختفياً في منزل أنظر منه إلى البطحاء فبينما أنا على مثل ذلك ، وإذا بأعلام سود قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة فوقع في ذهني أنها خرجت تطلبني ، فخرجت متنكراً حتى أتيت الكوفة من غير الطريق ، وأنا والله متحير ، ولا أعرف بها أحداً ، وإذا أنا بباب كبير في رحبة منيعة . فدخلت في تلك الرحبة فوقفت قريباً من الدار ، وإذا برجل حسن الهيئة ، وهو راكب فرساً ومعه جماعة من أصحابه وغلمانه ، فدخل الحربة فرآني واقفاً مرتاباً فقال لي : ألك حاجة ؟ قلت : غريب خائف من القتل . قال : ادخل قد خلت إلى حجرة في داره ، فقال : هذه لك ، وهيأ لي ما أحتاج إليه من فرش وآنية ولباس وطعام وشراب ، وأقمت عنده ووالله ما سألني قط من أنا ، ولا ممن أخاف ؟ وهو في أثناء ذلك يركب في كل يوم ويعود تعباً متأسفاً كأنه يطلب شيئاً فاته ولم يجده ، فقلت له يوماً : أراك تركب في كل يوم وتعون تعباً متأسفاً كأنك تطلب شيئاً فاتك ؟ فقال لي : إن إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك قتل أبي وقد بلغني أنه مختف من السفاح ، وأنا أطلبه لعلي أجده وآخذ بثأري منه . فتعجبت والله يا أمير المؤمنين من هربي وشؤم بختي الذي ساقني إلى منزل رجل يريد قتلي ويطلب ثأره مني . فكرهت الحياة واستعجلت الموت لما نالني من الشدة ، فسألت الرجل عن اسم أبيه وعن سبب قتله ، فعرفني الخبر فوجدته صحيحاً ، فقلت : يا هذا قد وجب علي حقك ، وأن من حقك أن أدلك على قاتل أبيك وقرب إليك الخطوة وأسهل عليك ما بعد . فقال : أتعلم أين هو ؟ قلت : نعم . فقال : أين هو ؟ فقلت : والله هو أنا فخذ بثأرك مني . فقال لي : أظن أن الاختفاء أضناك فكرهت الحياة .